شهود المرحلة الملتبسة: عناصر أقدم دورات الجيش إلى التسريح

شهود المرحلة الملتبسة: عناصر أقدم دورات الجيش إلى التسريح

- ‎فيأقلام

مرح ماشي

أخيراً صدر القرار المنتظر بتسريح عناصر الدورة 102، أقدم دورة في الجيش السوري، ليبدأ العمل به في الأول من الشهر المقبل. يأتي ذلك وسط تساؤلات عدة عما ينتظر الشباب المسرّحين من صعوبات في التأقلم وواقع معيشي مخيّب.

 

 

 

 

يمضي حسن أولى ساعات إجازته على الطريق بين دمشق وطرطوس، متلقياً التهاني والتبريكات، عبر جوّاله. على أنغام الأغنيات الريفية الصاخبة يتأمل جانبي الطريق بملامح خالية من أية معاني. تسريح دورته العسكرية في الجيش السوري أخيراً، بعد ثمانية أعوام من القتال، بين مهمة وأخرى، خبر لا يترك في نفسه أيّة حماسة. تعرّف الشاب الثلاثيني على معظم مناطق الأرياف السورية بينها ما لم يسمع عنه سابقاً. حفظ الخرائط العسكرية، والخطط التكتيكية، ونسي ذكرياته الجامعية ووجه البلاد، أيام الأمان. يتحدث عن حرب السنوات المريرة، فيقول: «لن أصدّق قرار التسريح حتى أباشر بالإجراءات. لقد تقبلنا التهاني مراراً من دون جدوى. صرنا نتعامل مع أخبار من هذا النوع، كما لو أنها قصص الراعي الكذاب». يضيف: «الدورتان 102 و103 في الجيش هما سر المعارك الأولى. لعناصرهما حكايات لم يحن أوان نشرها بعد. كنا شهوداً على ما لا يُحكى. وكتب على كثير منّا الموت، لتموت الكثير من الشهادات على مرحلة ملتبسة». تسريح عناصر الدورة 102 زرع البسمة والفرح في نفوس أنصار الجيش، فالجميع يعترف بفضل عناصر هذه الدورة الذين سحبوا إلى الجنديّة عام 2010، أيام الأمان وجرى الاحتفاظ بهم طيلة الحرب.

في أحد مواقع الجيش القريبة من دمشق يتمركز أحمد ورفاقه، منتظرين المهمة التالية، فإذ بقرار التسريح يفاجئ الجميع. فرح الكثير من الرفاق، غير أن أحمد تقبل الأمر بشكل آليّ وبلا مبالاة. على المقاتل السوري عقوبات فردية تؤخر تسريحه ما يزيد على 6 أشهر. يعلّق على ذلك بالقول: «لا أسكت عن الحق عموماً، ولم أبع ضميري للحرب. وأتدخل في ما لا يعنيني أحياناً كثيرة، فأستدرج المشاكل. والأغرب أن هذا الطبع لم تكسره الحرب ولا الجندية». يضيف: «إلى أين سأخرج؟ ماتت أمي وهي تنتظرني. استوطن قلبها الخوف فقتَلها. كنت أريد أن أخرج من أجلها. الآن لا أحد ينتظرني». الكثير من رفاق أحمد يشاركونه القلق من التسريح، متسائلين عن مدى قدرتهم على التأقلم مع الحياة المدنية مجدداً. الكثير منهم جامعيون فيتوقعون وظائف في الدولة، أو تعويضات عن شباب أهدرته الحرب ومسؤولياتها. غير أن بعضهم يعي أن توقعاتهم حالمة بعض الشيء. وفيما تناقلت مصادر غير رسمية أن أعداد الجنود المسرّحين في الدورة 102، يقدّر بـ6 آلاف جندي، إذ لا يشمل القرار الفارين من الخدمة والمحكومين قضائياً، يبدو الرقم مثيراً للتفاؤل، في ظل وجود أعداد مهولة من الشهداء والمصابين، إضافة إلى المتهربين من الخدمة أو المنشقين. ويجري العمل بقرار إنهاء الاحتفاظ بهؤلاء، صف ضباط وأفراد احتياطيين، اعتباراً من مطلع الشهر المقبل، أي بعد أيام قليلة. يتزامن التوقيت ذاته مع موعد التحاق آلاف الشباب الآخرين بالجيش السوري، من خلال بدء الدورة 118. «قمة أحلامي كان أني أرجع شقفة وحدة»، يقول زياد. الشاب الخارج حديثاً من مهمة القتال في الحجر الأسود، والذي شهد إصابات رفاقه واستشهاد بعضهم أيضاً، يستدرك قائلاً: «من جوا ما حدا فينا بعدو شقفة وحدة. الحرب كسرتنا كلنا. حملنا البلد ع اكتافنا نحنا وأهالينا. ومن زمان بطلنا نحلم بالتسريح. عم فكر شو بدي أعمل بقى بس أطلع من هون». يضيف ضاحكاً: «كنت عم أنطر المهمة الجاية. وعم فكر وين رح استشهد. هلا يمكن صار لازم فكر بالعروس والشغل وتأمين المستقبل». يعي الشاب أن أكاليل الغار لن تكون في انتظاره ولن يجري ترتيب احتفال لائق، وهو، أساساً، ما لن يُفرح أياً من المقاتلين الذي حلّ العطب في أرواحهم. بالنسبة إليه ورفاقه، الآتي ليس إلا مجهولاً جديداً ينتظرهم، وقد يكون أقسى مما قد تحمله المهمة القتالية التي كانوا ينتظرونها.
الأخبار

Loading...

Facebook Comments

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *