رقعة النفط

رقعة النفط

- ‎فيأقلام

علي محمود هاشم

لا مؤشرات حاسمة حيال الاتفاق الذي أنجزته (أوبك+) أمس الأول، فرغم الامتعاض الإيراني من انتهاء الاجتماع إلى تقليص نسب خفض الإنتاج بمليون برميل عما تم اعتماده نهاية 2016 لتصحيح الأسعار، ما لبثت الأسواق أن استجابت أمس بقفزة تراوحت بين 3.4 و3.6 بالمئة لمختلف الخامات العالمية.

 

(أوبك+) التي تضم 24 دولة منتجة، وتقوده المملكة السعودية من داخل المنظمة وروسيا من خارجها، أقرّت زيادة إنتاج أقل بنحو (0.5) مليون من البراميل التي تم تجفيفها بشكل تدريجي يومياً من سوق الطاقة عقب إبرام اتفاق أيلول 2016 الذي أسهم في التعافي من انحدار درامي لما دون 30 دولاراً للبرميل عقب كبوة 2014.
في النتائج المباشرة، لا تبدو إيران خاسرة في صفقة قرار الخفض، وبات عليها التعايش مع آمالها المنكسرة باستمرار (أوبك+) في خطة الخفض التي كان مقرراً الاستمرار بها بالفعل حتى نهاية العام، قبل أن ترتد أميركا عن الاتفاق النووي، وهي عولت على ذهاب العراق وفنزويلا معها لاستخدام (الفيتو) ضد تقليص الخفض، وهذا ما لم يحصل.
بطبيعة الحال، يسهل فهم استجابة كل من المملكة السعودية وإمارة أبو ظبي والعراق، والكويت بدرجة أقل، للرغبة الأميركية المعلنة في الضغط على إيران من خلال تعويض النقص المحتمل في أسواق الطاقة جراء ارتداد واشنطن عن الاتفاق النووي، إلا المشاركة الروسية الأساسية في القرار تشي -ظاهرياً- بتخليها النسبي عن أحد شركاء معسكرها في ميدان الطاقة، فرغم الانسجام الذي تبدو عليه موسكو مع أسعار الـ60 دولاراً التي سبق أن أعلنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عنها كـ«سعر عادل» للبرميل مطلع الشهر الجاري، فإن هذا السعر «الفني» المنسجم في ظاهره مع ظاهر المطالب الأميركية بضبط الأسعار، إنما يتطلع -لربما- لضبط تمدد الحفارات الأميركية في استخراج النفط الصخري من جهة، كما دعم انتظام تنافسية الإمدادات الروسية والشرق أوسطية إلى أسواق أوروبا وآسيا، أمام الأميركية من الجهة الأخرى.
ومع ذلك، ليس تجاهل روسيا النسبي للمطلب الإيراني دون ثمن، ففي الميزان الجيوسياسي، تترقب البشرية اليوم -وبانتباه شديد- تفصيلات ولادة القطبية المتعددة التي سترتسم على أساسها الصورة النمطية لمعاني القوة العظمى التي تسعي روسيا إلى تمثّلها، وحال مضيّها أعمق في إدارة مصالح الشرق وفق رؤيتها الخاصة المرتكزة إلى تفاهمات خليجية تجسدها (أوبك) التي لطالما كانت (مكعب روبيك) الذي استولد الغرب من التلاعب في ألوانه لعبة «البترودولار»، فلربما يسود سوء فهم مديد يتهدد ذلك الشرق مجدداً!
الصين تبدو على العكس تماماً، فرغم مصالحها الجوهرية في تدفق الإمدادات وما تعنيه من خفض للأسعار كطريق وحيد لتقليص فاتورتها النفطية كأكبر مستورد في العالم، فقد ذهبت إلى الاصطفاف إلى جانب إيران، إما عبر استعدادها للحلول مكان الاستثمارية الأوروبية الآيلة للامتثال للقرارات الأميركية بالخروج من إيران، وإما من خلال توجهها المتوقع نحو امتصاص الصادرات الطاقوية الإيرانية، وما ذهاب بكين إلى فرض رسوم جمركية جوابية على مستورداتها النفطية من الولايات المتحدة بعدما تضاعفت مؤخراً من 100 مليون دولار إلى نحو مليار شهريا، سوى مقدمة منطقية لتلك التوقعات.
في الميزان الجيوسياسي، يصعب تجاهل الإحلال البادي للأدوار على الصفحة الآسيوية شرقاً وغرباً، وفق هذه المنحى، ما (اللهفة) الأميركية الاحتفالية إلى الحضن الكوري الديمقراطي إلا تمظهر لرد واشنطن على اختراق موسكو منطقة جزاء الولايات المتحدة شرق المتوسط: من قطر (موطئ قدم روسيا) الجديدة في الخليج، إلى العراق وشماله المتوزعين بوجل بين العالمين الماضي والقادم، فالسعودية التي جلس ولي عهدها على كراسي المونديال بعد عامين من تهديده العلني بتفجيرها، مصححاً شراكته مع موسكو في الطاقة والبتروكيماويات والزراعة، بل (الحدائق التكنولوجية) أيضاً، وصولاً إلى مصر وتركيا الشريكين الكبيرين في استخراج ونقل الغاز.. كل ذلك، مقابل استنكاف روسي عن مشروعات حيوية في إيران، العدو الأميركي اللدود، ومن ضمنها اتفاقات لإنشاء محطات الغاز المسال على الخليج وشبكات أنابيب النقل نحو الهند والصين عبر باكستان.
في المحصلة، لربما ينجح الروس في التقاط عدة الشغل الأميركية غرب آسيا، لكن من له أن يضمن في خضم حمى (الانجذاب للضد) التي تجتاح رقعة حرب الطاقة العالمية شرق المتوسط، ألا تصحو موسكو يوماً على تفاهم حد أدنى (إيراني أميركي) لا يمكن تعويض خسارة ثقله الإستراتيجي ضمن جولات الصراع المتدحرجة في المنطقة؟
على الصعيد السوري، قد تؤسس تلك الرقعة المتبدلة أيضاً ملمحاً عما يمكن لدولة أن تواجهه في المستقبل ساعة تبدأ باستخراج ثرواتها الطاقوية.
الوطن

Loading...

Facebook Comments

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *