إشكالية اتفاق الجنوب

إشكالية اتفاق الجنوب

- ‎فيأقلام

مازن بلال

كان واضحا منذ توقيع اتفاق الجنوب الغربي لسورية قبل عام في مدينة هامبورغ أن التوازن مع «إسرائيل» كان جوهر التفاهم، فالمخاوف ارتبطت بإعادة رسم قواعد الاشتباك على جبهة الجولان بشكل يجعلها «منطقة استنزاف» تشبه الجنوب اللبناني في تسعينيات القرن الماضي، ورغم اعتراض «إسرائيل» على هذا الاتفاق إلا أنه كان يذهب نحو تحييد الصراع السوري، وإبعاده عن دائرة خط النار الذي يمكن أن يشعل حربا إقليمية بين دول الشرق الأوسط.

 

 

عمليا فإن الحرب الإقليمية ليس أمرا مقلقا بالنسبة لواشنطن، فما حدث في سورية هو حرب إقليمية ضمن «جغرافية» محددة ولكن بدعم إقليمي مباشر، فما يثير مخاوف الإدارة الأميركية هو اندلاع صراع واسع قبل تحديد سيناريو واضح لشكل الشرق الأوسط، فأي حرب تدخل فيها إيران ضد «إسرائيل» ستفتح تداعيات غير محسوبة، وهذا الأمر تحديدا كان الدافع وراء توقيع اتفاق هامبورغ، وفي المقابل فإن موسكو لا ترغب في توسيع دائرة الصراع لتصل إلى خارج الحدود السورية، فمثل هذا الأمر يعقد مهمتها في سورية ويقلل من مرونة تعاملها السياسي مع عوامل الأزمة السورية، فاتفاق الجنوب الغربي لسورية كان أمرا واقعا بالنسبة لموسكو وواشنطن وليس تفاهما للانطلاق إلى حل الأزمة، فكلتا الدولتين لديها مخاوفها من توسع نطاق الصراع ما استدعى إجراء نوع من الفصل العسكري على مستوى جبهة الجنوب لتجنب الانزلاق لصراع أوسع.
المشكلة اليوم أن هذا الاتفاق يواجه استحقاقاً جديداً لا علاقة له بالأطراف الإقليمية، فالدولة السورية تريد إنهاء بؤر التوتر والإرهاب في منطقة حوران، وتسعى لاستعادة سيادتها على الحدود التي تعتبر ركنا من أركان القوة والسيادة، وبالتأكيد فإن المجموعات المسلحة في تلك المنطقة لم تعد تملك الكثير من الخيارات، وباتت مسألة تراجعها باتجاه الأردن أو «إسرائيل» أمراً احتمالاً مطروحا في حال اندلعت المعركة، ومسألة استخدام هذه المجموعات كحزام أمني على طول الحدود تثير مخاوف كثيرة، فهي بالدرجة الأولى ستفتح الباب على صراع طويل مع «إسرائيل» يسمح لإيران ولـ«محور المقاومة» إجمالا بالنفاذ باتجاه هذه الجبهة، وفي المقابل فإن الأردن ستدخل في أزمة طويلة الأمد على مستوى حدودها الشمالية التي سبب لها كارثة اقتصادية.
إن اجتماعات «عمان» من أجل اتفاق الجنوب الغربي لسورية تشكل تحولاً في جوهر اتفاق هامبورغ، حيث لم يعد هناك أي إمكانية لتحييد الصراع في سورية عن الجبهات الخطرة، ولم يعد بالإمكان أيضا اعتبار المجموعات المسلحة واقعاً لا بد منه من أجل الضغط على دمشق لتقديم تنازلات سياسية، فالتوازن العسكري والسياسي أصبح خارج نطاق المعادلة القديمة التي بدأت عام 2011، وأي خلل غير محسوب يمكن أن يفتح احتمالات خطرة بالنسبة لجميع الأطراف الدولية والإقليمية، فاتفاق الجنوب الغربي لسوري سيذهب نحو ضمانات إستراتيجية بالنسبة للأردن و«إسرائيل»، ومن الصعب توفير هذه الضمانات دون الأخذ بعين الاعتبار أمرين أساسيين:
الأول تسوية مسائل المجموعات المسلحة لأن الضمانات تقدمها الدول وليس الهياكل العسكرية مهما كانت قوتها على الأرض.
الثاني هو السلطة المفروضة على المعابر الحدودية التي تحكمها قوانين دولية بالدرجة الأولى؛ ما يستدعي سلطة الدولة السورية.
ضمن الأمرين السابقين فإن اتفاق الجنوب الغربي سيكون مزعجاً لإسرائيل لأنه يعيد الوضع إلى ما قبل 2011، وفي الوقت نفسه فهو اتفاق حساس لأنه سيضع الأردن بالدرجة الأولى أمام استحقاق تسوية وضع سياسي على حدودها امتد طوال سبع سنوات، فالمسألة ليست فقط بتوقيع الاتفاق بل أيضا بتصفية واقع سياسي منذ أن أصبحت الأردن معبراً أساسياً لكل الدعم الذي قدم للمجموعات المسلحة في سورية.
الوطن

Loading...

Facebook Comments

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *