أسرار الحرب السورية.. ماذا يربط سوريا ببحر البلطيق ؟

أسرار الحرب السورية.. ماذا يربط سوريا ببحر البلطيق ؟

- ‎فيأقلام
Destination Damascus

د. علي الباشا
من يدقق في الخارطة يجد المسافة شاسعة لأن تقاس بالجغرافيا بين موقع سورية على الجانب الأيمن للبحر الأبيض المتوسط ، وبحر البلطيق الملامس للدول الإسكندنافية في شمال الكرة الأرضية ، لكن في السياسة المسافة قصيرة جداً.

 

 

بحر البلطيق الذي تطل عليه كل من فنلدا وروسيا واستونيا ولاتفيا وليتوانيا والسويد، يشكل في القسم الشمالي منه هاجس متصاعد بين الولايات المتحدة و روسيا، أكثر منه في قسمه الجنوبي الذي تطل عليه ألمانيا و بولندا و الدنمارك. لا يخامرنا الشك في أن الولايات المتحدة تستثمرالمواقف في هذه المنطقة لمنافكة روسيا في مناطق نفوذها التاريخية ، ففي السنوات الأخيرة أظهرت روسيا تقدماً نوعياً في هيمنتها العالمية خاصة بعد ضمها لشبه جزيرة القرم عام 2014م، وتدخلها المباشر في الأزمة السورية عام 2015م ما جعل وقع نفوذها أكبر تأثيراً من حجم العقوبات التي فرضت عليها والمتزايدة عاماً بعد عام .هذا التقدم الروسي على حساب الولايات المتحدة يقابله حذر شديد في الأوساط الروسية.. إلا أن السلال الروسية بدت ممتلئة ويمكن التفاوض عليها كلٍ على حدى بدءاً من سورية و مروراً بالبلقان ووصولاً إلى بحر البلطيق.
النصاب السياسي للدولة الروسية يؤوله البعض بسماح النظام العالمي العميق منح روسيا نوعاً من الإنتعاش الاقتصادي و السياسي و الوجودي بغية خلق تماثل قطبي كما في الحقبة السوفييتية بعد صعود نجم الصين المنافس القوي للولايات المتحدة وإمتلاك كوريا الشمالية للقنبلة النووية، ولكن سرعة الصعود الروسي بدى حاذقاً على السياسية الأمريكية وعلى الرغم من ذلك فروسيا حذرة من إشغالها في سوريا والإنقضاض عليها في البلطيق وهو ما ترجم احتوائها للتطورات المرحلية في القصف الإسرائيلي لمواقع سورية بحجة الوجود الإيراني و الرد السوري-الإيراني في قصف مواقع إسرائيلية في الجولان السوري المحتل، عليه ضبطت البوصلة السورية في فرض مناطق خفض توتر وتأمين العاصمة دمشق و ريفي حماة وحمص وفعّلت المصالحات وحكرت البؤر المسلحة في إدلب وفرضت نظرية “درعا بلا إيرانيين مقابل التنف بلا أمريكان و مسلحين”وذلك للتفرغ لبحر البلطيق الذي يخفي في أغواره ملفات أكثر حساسية.
***
نؤول أن روسيا لم ترتح وقتها لزيارة الرئيس الأمريكي السابق أوباما في مارس/2013 للسويد والتي كان ظاهرها حشد الرأي العام ضد الحكومة السورية والتساؤل طرح نفسه حينها ما الذي سيحشده في بلد مسالم ؟ قد يكون للزيارة “طابع خاص” تتعلق ببحر البلطيق وهو ما تفسره روسيا أنه موجهاً ضدها، وأظهرت الشكوك الروسية بأن (شيء ما) يحاك ضدها ناتج عن إستشعارهم بطبيعة الخطرما دفع بغواصاتهم الشبحية إلى أعماق البلطيق ووصولها إلى أرخبيل ستوكهولم وعدم تمكن الرادارات من كشفها (موقع الجزيرة نت) إلا متأخراً ما دفع بالسويد للبحث إمتداداً من عام 2014 والتأكد من وجودها من “المخلفات التي تركتها” حسب تصريحات المسؤوليين العسكريين.. ليبقى السؤال قائماً ما هي المهمة التي أنجزتها الغواصات الروسية في قاع البلطيق؟ وهل هناك ما يدفع للقلق؟ وما المخلفات التي تركتها؟ نتائج البحث التي أفضت عن تلك المخلفات تم الافصاح عنها في يناير/2015 و قُدرت كلفة هذا البحث بأكثر من (2) مليون يورو ، وعلى إثرها تم زيادة حجم الإنفاق العسكري إلى رقم غير معهود منذ عقود، و نشر جنود في جزيرة جوتلاند، وإعلان السويد في مارس أذار الماضي/2018 عن إعادة الخدمة العسكرية.
لا يمكن التنبأ بما يحدث ، لكن المؤشرات الحية على ذلك هي اللهجة الروسية الحادة و التي تظهر بين الفينة والأخرى على أن موسكو ستتخذ تدابير صارمة فسرها محللون بلا تحوير بالعمل العسكري وعلى أثرها تم استدعاء السفير الروسي في ستوكهولم للاستفسار.
***
السويد التي إنتهجت مبدأ السلم العالمي و حقوق الإنسان وساهمت في كل ما فيه الخير للبشرية في كل أنحاء العالم لم تخض حرباً منذ (200)عام! فهل يمكن بناء كل التهديدات الروسية على خلفية تاريخية قديمة أكل عليها الزمن وشرب، ولم يبقى منها سوى ذكريات غزوالجيش السويدي للأراضي الروسية عام 1709م واحتلاله جزء كبير منها، وسماح السويد لألمانيا النازية باستخدم أراضيها في الحرب العالمية الثانية، و إسقاط السوفييت عام 1952 لطائرة سويدية كانت تجمع معلومات لحلف شمال الأطلسي. كل ذلك لا يمكن جعله مبرراً للتهديد بهذا الوقع الحاد ولا يترجم التخوف على وقع حرب عالمية ثالثة و تهديد روسيا في سوريا ومن ثم هل هي صدفة تناول مرشحو الرئاسة الأمريكية مبادرة القصف النووي ووزير دفاعها يسوّق استخدام السلاح النووي ضد روسيا وكوريا الشمالية ، ومن ثم تأتي مبادرة ترامب مؤخراً في استقطاب كوريا الشمالية، لتتمكن أمريكا بعدها من قصم ظهر روسيا في البلطيق “خاصرتها الرخوة” بعد المناكفة التمثيلية في سوريا.. لم يستبعد ذلك سركيس نعوم في مقالته في جريدة النهار بتاريخ 7/10/2016 ” بوتين يستعد في سورية وأمريكا في البلطيق”.
ولا يبرر هذا التصعيد أيضاً عرقلة بناء ” السيل الشمالي-2″ ولا يمكن أن تكون المناروات الحية التي أجرتها روسيا في إبريل/2018 في بحر البلطيق رداً على ذلك ..و لسان حال مسؤوليها يردد أن الخطر قادم من بحر البلطيق ، ليعيد إيغورشاتروف في 4/5/2018 نفس الكلام :”أن هناك منطقتان للمواجة المحتملة بين الولايات المتحدة و روسيا: سوريا و بحر البلطيق، فالنشاط العسكري الأمريكي في بحر البلطيق يمكن أن يؤدي إلى أزمة حادة ” ليرد حلف الناتو بقيادة أمريكا بتدريبات في استونيا في مايو/2018 و يغرد السيناتور الروسي بوشكوف في2/مايو/2018 : ” ثمة نقطتان للمواجة الممكنة بين الولايات المتحدة و روسيا هما سوريا ومنطقة البلطيق”. ولم يوفر وزير الخارجية الروسية قلقه من بيلاروس في 30/5/2018:” نشعر بالقلق من زيادة أنشطة الناتو التي لوحظت مؤخراً على مقربة من حدودنا ولاسيما دول البلطيق”. هذه التصريحات بالطبع لا تبعث على الاطمئنان و زادتها بلة توزيع السويد لكتيب في مايو/2018 عنوانه: في حال الأزمة وإندلاع الحرب (وصلتني نسخة منه بصفتي مقيماً فيها)، فماذا يخفي بحر البلطيق في أغواره لتكون “سورية” جزءاً منه!
رأي اليوم

Loading...

Facebook Comments

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *